iManouna

“مريم الفقيرة”

(ملاحظة: هذا التعليم منقول عن التسجيل الصوتي لهذا هو اقرب الى اللغة العامية).

“المسيح قام! حقاً قام!”

أحببت أن أبدأ بهذه الجملة قبل الدخول بموضوع مريم.

العذراء مريم همّها أن تذكّرنا دائماً بيسوع، وأحياناً كثيرة، مع الأسف، نغرق بها وننسى الربّ يسوع. وهكذا لا تعود هي راضية ولا نحن من المفروض أن نرضى عن ذواتنا.

مريم ليست إنسانة مختلفة، مريم إنسانة جدّاً عادية، لكن نحن الغير عادييّن بالمعنى السلبي للكلمة. على قدر ما نحن مختلفين بالمعنى السلبي ننظر إلى مريم ونرى أنّها إنسانة رائعة.

هذا لأن ما كانته هي، من المفروض أن يكونه كل واحد منّا.

هذه هي دعوتنا في الأساس.

الجزء الأول. ما كانت مريم؟

بإنجيل اليوم، للذين شاركوا في القداس، أو قرأوا إنجيل اليوم، نقرأ أعجوبة تكثير الخبر. في هذا الحدث شيء مهم جدّاً، الربّ يسوع لا يطلب منا قليلاً ممّا عندنا، هو يطلب القليل الذي عندنا. وهناك فرق.

أي أنه لم يطلب ألف من المليون الذي معك، معك ألف وبالكاد تشتري عذاءكَ، قال لك أعطيني إياها. إذا هو يطلب القليل الذي عندنا وليس ممّا عندنا. يسوع لا يستطيع أن يتعامل إلاّ مع فقراء، هو لا يتعامل مع أغنياء يتكارمون عليه بالقليل ممّا عندهم.

ومريم كانت أولى هؤلاء الفقراء، مع أنها ستقول: “تطوّبني جميع الأجيال”، لكن هي التي قالت أنا أمة الرب.

ما معنى أمة الربّ؟ أي لا أملك حتّى ذاتي. الأمَة هي مؤنّث العبد. لا أقدر أن أقول لا لله؟ لسبب بسيط لأني لا أملك شيئاً ولا حتّى إرادتي. كلّ الذي عندي أعطيه إياه. وما عندي سوى أنّي أمَة، فليأخذني.

هذه فكرة رائعة جداً لنتأمل بها جيداً.

هيَ التي نكرّمها لهذه الدرجة بالصلوات والتراتيل ونغمرها بالنعم وهذا ليس خطأً، فهيَ مغمورة بالنعم لسبب بسيط، لأنها تعرف أنّه لا يوجد عندها إلاّ القليل، القليل، وهو الذي كوّنها أمة وقدمته.

لم تقل له اجعلني مختلفة فأقدم لك الأفضل، بل كل ما قالت أقدّم لك هذه الأمة التي هيَ أنا.

1- مريم الفقيرة: هي الفكرة الأولى اتكلم عنها الليلة لكي نفهم عمق رسالتها وعمق مسيرتها صوب القداسة.

مريم إذاً عاشت بهذه الطاعة للربّ وهي طاعة الفقراء، الذين لا يقدرون أن يقولوا “كلا”. كلا ليس بمعنى بالرغم عنها بل بمعنى أنّها تؤمن أن بأي حقّ ستقول كلا. فأنا لا أملك ذاتي، أنا لست لذاتي، انا مجرد أمَة.

ليس من أحد أفقر من مريم إلاّ يسوع مع فارق بسيط، إنّ مريم تعترف بفقرها بينما الربّ يسوع إفتقر لأجلنا حين أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، يسوع قرّر أن يصير فقيرا. ومريم كإنسان اعترفت أنّها فقيرة لا أكثر ولا أقلّ.

2- البتولية. مريم الفقيرة على مستوى بتوليتها:

لا أريد الآن أن أدخل بالجدال، إن كان هل يا ترى مريم قررت مسبقاً أم لا، تريد أو لا تريد، ولا أريد أن أعمل افتراضات، لكن هناك واقع: مريم عاشت بتولاً، وهناك ما هوَ أبعد من هذا: مريم تبنّت هذه البتولية.

ما معني بتول؟ معنى بتول كارثة، أي توقفت الحياة. وما نفع البتولية؟ هل لتوقف الحياة؟ وكأنّه أيضاً في هذا المكان بالذات، مريم تعترف وتَعرف أنّها ليست قادرة أن تعطي الحياة الحقيقية. تُعطي حياة بيولوجية مثل كلّ النساء، نعم! لكنها كانت تشعر أنّ هذا ما زال فقراً. هناك ما هوَ أبعد وهي ليست قادرة عليه، ولكن في هذا الفقر سيُزرع الغنى، الذي هوَ كلّ الحياة. سيُزرع يسوع المسيح.

سيُعطى يسوع المسيح لهذه الإنسانية الفقيرة في هذه المرأة التي عاشت فقرَها إلى النهاية.

بمعنى أنّ مريم رأت أنها مهما حاولت ولو صارت أمّا، وأنجبت أولاد… فهؤلاء يأتون ويموتون مثلهم مثلها، وهذه ليست الحياة. هذا ما زال فَقرا… موت.

في هذه المرأة التي قبلت هذا الفقر بِعيش هذه البتولية زُرِعت الحياة الحقيقية، التي ستُزرع حتّى بِعمق جهنّم وتغلب الموت. هذا معنى مريم الفقيرة على مستوى بتوليّتها.

3- مريم الفقيرة على مستوى صلاتها:

تكلمنا مرّة عن عرس قانا الجليل وقلنا إنّ مريم لم تقل “لم يبقَ عندهم خمر”، إنّما قالت “ليس عندهم خمر”؛ وهذا يعني أنهم جماعة فقراء. الفرق بينهم كلّهم وبينها، أنّها هيَ راضية بفقرها وهم لا يريدون الإعتراف، وهذا يُعبًّر عنه بِكلام رئيس المائدة: أتركتَ الخمرة الطيبة للآخر؟ يا إنسان من أينَ لك الخمرة الطيبة وهل عندك خمرة طيّبة؟

هذه “الشحادة”، (وليس بالمعنى المُذلّ)، التي إسمها مريم، هيَ التي جعلت أن يكون عندك هذه الخمرة الطيّبة.

هذه الفقيرة التي إسمها مريم، التي ليست قادرة أن تفعل لك شيء، بسببها صار عندك خمرة طيّبة. لأنّها وقفت فقيرة أمام الربّ وعلى أقدام الصّليب كذلك، كانت مريم واقفة.

حتّى إبنها ليس لها، ونلاحظ، ولفتُّ نظركم عدة مرّأت من قبل: ولا مرّة بالإنجيل يقول لها يا أمّي؛ لا ينسبها له ولا ينسُب ذاته لها. أترون إلى أي درجة وصل فَقْر مريم!

4- مريم في العنصرة:

إذا قرأنا نص العنصرة جيداً، لا يؤتَ على ذكرها بحادثة العنصرة، قبلها تُذكر مريم، عندما كانوا مجتمعين يصلّون مع بعض النسوة وكانوا 120 ومن بين النّسوة كانت مريم.

هي المؤمنة بالقيامة، لم تميّز نفسها بشيء عن الرسل الخائفين، المشكّكين. صلّت معهم، صلّت من أجلهم. كانت حاضرة، لا يهمّها أن تُذكر يوم حلول الروح. وأكيد هذه الفقيرة التي صلّت في قانا، كانت الفقيرة التي صلّت يوم العنصرة. لأنّه في النهاية صارت جماعة اسمها الكنيسة تولد ابنها للعالم.

يسوع لم يعد حِكراً على مريم وهوَ الذي لم يكن يوما حِكراً عليها.

صارت الكنيسة هيَ التي تولِد يسوع كلّ يوم بالإفخارستيا وبِغير الإفخارستيا وصارت كنيسة تولد للآب أبناء.

هذه الفقيرة جعلها الربّ أمّاً لنا نحن الفقراء.

أكثر من هذا: هيَ التي أكثر واحدة اختبرت حضور الربّ في أحشائها، تسعة أشهر، وهيَ التي لم تُعطى ما أعطيَت سائر النساء في العالم، مثل الاتّفاق العاطفي والجسدي و…، هيَ التي حدثت فيها هذه الولادة العجيبة، كانت تُصغي إلى بشرى الرّعاة. كانت تسمع ما يقول الرّعاة عن كلام السماء لهم. تسمع في قلبها وتتأمّل.

هيَ التي حَمَلَتْ الحقيقة كلّها في أحشائها، تاخد الحقيقة من الرّعيان، الذين نادراً ما يتواجدون يوم السّبت في المجمع، الذين نادراً ما سمعوا الكتاب المقدس، الذين ليسوا أغنياء بمعرفة سرّ الإيمان. منهم هي الفقيرة، تتعلّم، تكتشف، تختبر الحقيقة التي هيَ أعطتها للعالم وللرعاة…

غريبة هذه المريم كم كانت كنسيّة من قبل أن تُعرف الكنيسة، من قبل أن يُعلن يسوع الكنيسة.

مريم كانت كنسيّة، كانت تَسمع، تَسمع لتغتني، تحفظ هذه الأمور وتتأمّلها في قلبها.

وإذا أردت أن أتابع مشوار فقر مريم أصل إلى كثير من الأماكن والأقكار لا يسعها الوقت.

5- هي الأم:

تصوّروا أمّ يقول لها إبنها هذا إبنك، وهذا يأخذها إلى خاصّته (يوحنا)، وهوَ الذي كانت تبحث عنه كلّ يوم على طرقات فلسطين ويقولون له: أمك وأخوتك يريدون رؤيتك؛ فيقول لهم: مَن أمّي ومَن إخوتي؟ أمي وأخوتي هم الذين يسمعون كلام الله ويعملون به. مثلها مثل كلّ الذين يعرفون أن يقبلوا الإيمان بفقر.

ضعوا أنفسكم مكان مريم، وتأملوا بأي واقع من الفقر عاشته مريم العذراء. لكن انتبهوا. هذه الفقيرة هي التي تُعظّم الربّ.

أروع شهادة ممكن أن تُعطى لعمل الربّ في الحياة هي شهادة هذه الفقيرة مريم، “تعظّم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلّصي”. لماذا؟ ليس لأنّه كافأني على فضائل ولم تقل هنأني لأنّني قبلتِ وسمعتِ الكلمة:

إنما لأنّه نظر إلى تواضع أمته. أنا أمَته أعظّمه!

أتعلم! وحده فقرك يقدر أن يؤَكّد لك أن الله يحبّك مجاناً.

فضائلك : تقول الله يحبّني لأنّي فاضل.

عِلمَك : تقول الله يحبّني لأنّي ذكي وأساهم بتطوير الإنسانية.

جمالَك : تقول الله بيحبّني لأنّي صنعتُ منه روعة.

فقرك : وحده يقدر أن يكشف لك في العمق إنّ الله يحبّك، قفط لأنّه يحبّك من دون أي سبب.

الجزء الثاني: مريم والقداسة، مريم والرسالة.

1- مريم والقداسة:

بمسيرة مريم كانت دائماً تنسب الفعل إلى الفاعل وهو الله.

لم تنسب ولا مرّة لذاتها أنّها الفاعل.

في الإنجيل كلّه ولا مرّة تقول عن نفسها أنّها عملت، أو سأعمل، أو أريد أن أعمل، أو أفكّر أن أعمل هذا.

فلنأخذ نشيدها. الشيء الوحيد الذي تريد ان تعمله: تعظّم نفسي الربّ. تشكر الربّ، تهلّل للربّ، تسبّح الربّ، ولا شيَ آخر. لأنّه نظر إلى تواضع أمته. صار ربّنا الفاعل وهي المفعول به.

فها منذ الآن سوف تطوّبني جميع الأجيال: الأجيال فاعل وهي مفعول به… لأنّ القدير صنع بي العظائم، حطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين…

على قدر ما تعمّقت بِفقرها، فهمت ما يعني أنها كائن مخلوق، ليس لها إلاّ أن تنتظر أن يتابع خالقها عمله في خلقه “كمّلني”.

مريم في مسيرتها نحو القداسة اعترفت أنَّ الفعلَ لله، بالكلمة.

من هنا بالفرنسية تترجم كلمة Logos أحياناً إلى La Parole وأحياناً إلى le Verbe، هي كلمة فاعلة.

قداسة مريم هي عمل الله فيها.

غريب كلّ ما عملته، أنها اعترفت أنّه عظّمها، اعترفت أنّه رفعها، اعترفت أنّه قدّسها… اعترفت… اعترفت…

وحتّى الملاك عندما بشّرها، قال لها: إفرحي يا ممتلئة نعمة. لماذا: الربّ معك. لا تخافي: فَستقبلينن حَبَلاً، أي سيُعطى لكِ حَبَلا، وتلدين إبناً = هنا هيَ فاعل نعم، هي فاعل بعدما قَبِلَتْ الحَبَل.

وتسميه يسوع: ولاحظوا عندما نُسِب بعض الأفعال لها: (تلدين وتسمين) سألت كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ وهذا يعني لكي إقدر أن كون فاعلا أحتاج بالمقابل رجلا.

ستكونين فاعلة صحيح، لكن انتبهي، بِقوّة الروح القدس.

أي حتّى بالأماكن التي أنتِ فيها فاعل، إنتِ فاعل بِقوّة الفاعل الأول، بِقوة الروح.

هذه الفكرة من ناحية تحملّنا مسؤولية كبيرة جداً بِمسيرة القداسة ومن ناحية ثانية تزرع فينا رجاءً كتيراً.

مسؤولية كبيرة جداً: يعني أنا لا أقبل بِسهولة جملة يسوع: “مهما عملتم قولوا نحن عبيدٌ بطّالون”. لم نعمل إلاّ الواجب علينا. حتى في ما نعمل، أحياناً نتواضع “لدرجة” كي يقال عنا الكلام الجيد، أحياناً أعمل جاهداً ليمجدني الناس. وأحياناً أخرى إذا هنأني أحد على عملي، أجيب بتهرّب لا علاقة لي، أنا لم اعمل شيء. مع اني أنا الذي عملت هذا. إذا كان هذا من عملك، قل نعم أنا عملته وأمش لا تقف ليمَجّدونك. “الربّ هو الفاعل ولستَ أنت”.

القديس بولس وعظمته برسالته الثانية لأهل كورنتس يقول: أنا تعذّبت أكتر منهم، أنا جلدت كتيرا، أنا سجنت… لكن انتبهوا يختم، لست أنا الحيّ بل المسيح حيّ فيّ. صحح كلّ شي. دافع عن نفسه من أجل الحقيقة وعندما اراد أن يتكلم عن حقيقته قال: لست أنا الحيّ بل المسيح حيٌّ فيّ.

المسؤولية كبيرة بمعنى إنّه عليّ كلّ يوم بعد يوم أن أتجرّد أكتر وأكثر وأكثر… وهنا أريد أن أقول شيئاً مهماً: التجرد والفقر المادي جيد لكنه أحياناً يكون مشكلة. أي فقري وتجرّدي يجعلانني أظن أني متجرد، عندما لا تعني بعض الأمور لي شيئاً من الأساس، كاقتناء سيارة جديدة، او لباس غالٍ الثمن، فأنا من الأساس لا يهمني ما اقتني، فأقع في فخ أني متجرد. التجرّد من الداخل، أكيد يرافقة بساطة خارجيّة دون شكّ، لكن المهم بعمقه من الداخل.

أحيانا كثيرة نجد البساطة الخارجية ولكن نفتقد البساطة الداخلية.

الذي أريد قوله هنا، لا تتصوّرا أبداً أنّ هذا الفقر كافٍ، هذا الفقر هوَ الذي يحرركّ للنهاية، لدرجة أنّه مهما أعطاك الله تقول له صحيح أنا بحاجة. وعندها يتحقّق فيك أكتر بكتير من الذي تقدر أن تحقّقه أنتَ. لأنّك بمحدوديّتك الإنسانية لا تحقّق ما الذي تريد تحقيقه؟!. كال Epsilon أمام Infini، أو لنقل متل حبّة الرّمل أمام قياس الكون.

بِفقرك تترك الربّ يحقّق بك.

على كلّ حال، هذه نقطة مهمّة جداّ تُدرَس بروحانية شربل هذا الإنسان السّكران بالله.

مار شربل لم كان عنده متعه إلاّ الله في هذه الدنيا، لا يفتّش عن أي شيء آخر.

2- مريم والرسالة:

هذا الفقر الذي عاشته مريم كيف يجعل منها رسولة؟ حاملة مسؤولية رسالة؟

في الواقع إذا قرأنا الإنجيل كل المشاهد تُظهر أن مريم العذراء تحمل رسالة.

في إنجيل الطفولة أربعة مشاهد أساسيّة:

البشارة، الزيارة، ولادة يسوع، التقدمة إلى الهيكل. ومشهد آخر عندما كان يسوع ابن 12 سنة وأضاعته في الهيكل. في بقية الإنجيل لا نجد أشياء كثيرة، أتكلّم عن إنجيل متّى، مرقس ولوقا، إلاّ في الوقت الذي أتت فيه لتطلبه بين الجموع وتعلمون البقيّة. في إنجيل يوحنّا، لم يخبرنا عن طفولة يسوع، يتكلّم عن مريم بمكانين ومن دون أن يسمّيها مريم. في عرس قانا الجليل وعلى الصليب.

سنتوقت قليلاً في بعض هذه المشاهد.

مريم لم تقل أي كلمة في نصّ الميلاد. إذا قرأنا الإنجيل كلّه، مريم تكلّمت مرّة واحدة مع الناس عندما طلبت من الخدم في عرس قانا “إفعلوا ما يأمرهم به”. غير هذا لم تتكلّم مع أحد.

لا يخبرنا الإنجيل ماذا دار من حديث بينها وبين يوسف، وعندما نقول بينها وبين الملاك فهذا يعني بينها وبين الله. إذاً لا حديث مع أليصابات، أليصابات هي التي تكلّمت عن مريم لكن مريم لم تتكلّم مع أليصابات.

مع الملاك نعم أي مع الله، ومع أليصابات أيضاً تكلّمت مع الله: “تعظّم نفسي الربّ.”

في عرس قانا الجليل = تكلّمت مع الإله الإنسان.

وفي الهيكل عندما كان بِعمر 12 سنة أيضاً تكلّمت مع الإله الإنسان.

لم تتكلّم مع أحد بالإنجيل إلاّ ما قالته للخدم وما قالت؟: “إفعلوا ما يأمركم به”! وهذا يعني أن كلامكم معه وليس معي، كلامكم مع الله. ليس بِ معنى أنّها لا تريد أن تكلّمهم، إنّما بِمعنى: في النّهاية عليك أن تصل لكلمة الله، وكلّ الكلمات الأخرى فارغة، فقر، فقر…

وهل يا ترى هذه هيَ رسالتنا؟ هل رسالتنا أن نقول للعالم أنّ يسوع هوَ المخلّص؟

وأليس هكذا كانت مريم رسولة؟

ما زال هناك كلام كتير جدّا يُقال عن مريم. لو عملنا كلّ أربعاء موضوع حول مريم كلّ شهر أيار، أكيد لا ننتهي. يمكننا أن نتكلّم عن مريم الأم، عن مريم التي حُبل بها بلا دنس، عن مريم التي انتقلت بالنفس والجسد إلى السّماء، وكلّ هذا يُحكى عنه إنطلاقاً من فقرها. وأيضاً عن علاقة مريم بالكنيسة، كما سمعنا اليوم في قراءة للبابا يوحنا بولس الثاني، كيف هيَ أمّ الكنيسة وكيف هيَ أم الربّ وكيف هيَ صورة الكنيسة… كلام لا ينتهي لكنّي أحببت أن آخد اليوم هذا الوجه، وجه مريم الفقيرة لأنّنا دائماً نتكلّم عن مريم القديرة، وهي قديرة في فقرها، قديرة بقدرة الله فيها، قديرة بقدرة المتجسّد فيها.

نشكر الربّ معاً على هذه المخلوقة الفريدة التي إسمها مريم، لأنّه ربّما وحدها بإعترافها بفقرها قدّمت القليل، ليس من الكثير الذي عندها، قدّمت كلّ القليل الذي عندها وبهذه التقدمة أفاضت الكثير من النعم على الإنسانية، يكفّي أنها أفاضت يسوع المسيح، وبالتالي ليس فقط يسوع المسيح، الروح القدس والآب.

بِيسوع المسيح انفتح الباب لكلّ الإنسانية لكي تشارك في حياة الثالوث، شيء عظيم: هذه الفقيرة.

بِقدر ما تختبر أنّ يديك فارغتين، بِقدر ما تستطيع أن تحرّكهما وتاخد. وبقدر ما تخاف أن توقع شيء من الذي عندك، لا يعود بامكانك أن تأخد شيئاً.

وأحد الكهنة قال: أتعلمون لماذا يسوع عندما قام من بين الأموات ترك أثر المسامير على يديه؟

لكي لا تمتلئ يديه من عطايا الآب ولا تعود تسع، كي لا يلتقطها وتنزل إلينا. فالنبع لن ينضب لكننا نحن عندما نتمسّك بأشيائنا ولا نعود نقبل أن نعيش فقرنا، فهذا يعني أننا لا نؤمن أنّ النبع الإلهي لا ينضب. مريم كانت مؤمنة إنّ النبع الإلهي لا ينضب، وتاريخها دليل على ذلك، وإكرام الناس لها اليوم ما زال دليل على ذلك. لكن أعود وأتمنى لا تجرحوها، لا تسرقوا من مريم فقرها، وتضعوها مكان الله. ستوجعونها إذا سرقتم منها فقرها.

مريم فقيرة ولهذا هي رسولة لأنّ ليس عندها شي تخسره لأنّ ليس عندها شيء من الأساس.

والذي يعطي ذاته مثلها لا يمكن أن يخسرها، وليس من الممكن أن يسلبك أحداً إياها. يسوع واضح، هذا الفرح لا ينتزعه أحدٌ منكم.

فرجاءً، بإكرامكم لمريم، اتركوا للمسبحة مكاناً مهماً جداً في حياتكم، وموضوع المسبحة مهم سنتكلم عنه لاحقاً، لكن لا توجعوها لا تسلبوها فقرها. لأنه إذا سلبناها فقرها نكون سلبناها حريّتها… وحده الذي يعرف إنّه فقير يقدر أن يكون حرّاً حتّى الموت. في كلّ الأحوال لسنا بخسرانين أي شيء ونعرف أن الذي سنربحه لا يمكن أن نخسره. الله لا يمكن أن نخسره.

أسئلة:

1- بالنسبة لعلاقتك بالربّ، ما هي الأشياء االتي فيكَ او فيكِ تشعر أنّها تعيق هذه العلاقة ولماذا لا تستطيع الاستغناء عنها؟

2- بالأماكن التي شعرت بنفسك فقيراً، صعيفاً، محدوداً، عاجزاً… هل اختبرت قوّة عمل الله فيك؟ أعطِ أمثلة واقعيّة.

3- في هذا الشرق نحن أقليّة ولكننا أقلية مهمّة: ربّما لا نملك كثيراً حتى نعطي القليل، ولا نقدر أن نعطي الربّ القليل مما عندنا، كم هذا القليل الذي هوَ نحن، حقيقة إلى أي درجة أعطينا كليّاً ذاتنا للربّ؟ نحن كأقليّة، جماعياً وشخصياً، كم فعلياً وإلى أيّ حدّ نقبل بِهذا الفقر، نحن أقليّة ونضع هذا الفقر بين يدي الربّ لكي يصير هو الفاعل. وهكذا إذا أردت أن أتكلم عن الله بطريقة إنسانية كم أنا قادر أن أقول له: أنا أؤمن بتدبيرك الخلاصي، وما هو لك (يعني أنا)، ممّا هو لك (يعني أنا)، أقدّمه لك (يعني أنا)، ليس فقط عن ذاتي، بل عن كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء.

إنتبهوا: الأرغفة الخمس التي كانت مع الصبي قدّمها ليسوع ليس ليشبع هوَ! قدّمها ليسوع ليشبع الخمسة آلاف.

لا تظنّوا أن الكثر سيشبعون لأنّهم كثر، نحن القلّة علينا أن نطعم الكثر.

واحد في هذه الدنيا قال: “خذوا كلوا هذا جسدي”، وأطعم البشرية كلّها. وغير هذا نكون سائرين باتجاه الهاوية، سنغتني وسنستغني. وانشالله نبلع جسد هذا الواحد كي لا يقدر الموت أن يبلعنا. آمين.

صلاة:

يا ربّ، يا يسوع الحيّ القائم من بين الأموات، الذي في حشا أمك، وحّدت لاهوتك بِناسوتنا، وناسوتك بِلاهوتنا، وهذه الألوهة والإنسانية التي تعيش وحدة الأقنوم بقيت في الحشا البتولي تتغذّى منَ القوّة البشرية لكي تزرع في كلّ البشر القوة الإلهية. أعطنا كلّ مرّة نتناولك، أن نحملك ونعطيك كلّ الذي عندنا لكي نقدر أن نعطيك لأخوتنا البشر طعاماً طيّباً وعربون الملكوت. لكَ المجد إلى الأبد. آمين.

تعليم أعطيَ لعيلة مار شربل بتاريخ 2/5/2007 الأربعاء الأول من شهر أيار

الخوري داوود كوكباني – كنيسة مار شربل أدونيس

Related posts

‘فجر المسيحية’.. من هم الأقباط ؟

imanouna imanouna

دم المسيح المُطَهّر يتطلب توبة حقيقية

imanouna imanouna

“وظهر له ملاك الربّ في الحلم” – الخوري أنطوان الدويهيّ

imanouna imanouna
error: Content is protected !!