iManouna

“وعلى الأرض السلام”

الخوري أنطوان الدويهيّ – ايماننا

“وعلى الأرض السلام”، عبارة استوقفتني كثيرًا وما كنتُ أفهم معناها وأنا أعيشُ في عالم لا يمرُّ يومٌ فيه إلاَّ ونسمع بحادث مؤلم أو كارثة طبيعيَّة ضربت منطقة معيَّنة، أو كارثة بشريَّة أودت بالكثيرين، أو وباء قاتل يسري بين البشر سريان الدم في الجسم. لا أحد مرتاح والمصائب تلاحق جميع البشر. فأيُّ سلام يبشِّرنا به الملاك؟

وإذا بكاهن يزورني ويخبرني قصَّته ومن خلال قصَّته اكتشفت السلام الحقيقيّ. قال: وُلدت في جنوب لبنان واختبرت الذلَّ والقهر طوال الحرب اللبنانيَّة الأخيرة، لأنَّ أبي كان ينتسب إلى جيش لبنان الجنوبيّ. ولمّا صار عمري عشر سنوات، انتقلنا لنعيش داخل الشريط الحدوديّ، وهكذا رفضتنا الجماعة المسيحيَّة التي ننتسب إليها إذ اعتبرتنا عملاء، كما حكمت علينا الدولة اللبنانيَّة بالسجن لأنَّها اعتبرتنا خونة.
تلاحقت المصائب علينا، لا يكفي أنَّنا تركنا أرضنا وبلدنا، بعدما اعتبرتنا خونة، حتَّى إنَّ جماعتنا الدينيَّة حيث لجأنا، رفضتنا. وكلَّ مرَّة كنَّا نعيِّد عيد الميلاد، كنتُ أصلّي بحرارة كي يمنَّ يسوع علينا بالسلام، لأنَّه لم يمرَّ يوم شعرتُ فيه بالسلام. صرتُ عصبيًّا وسريع الغضب وعند أتفه سبب أبدأ بالصراخ. وفي ليلة عيد الميلاد سنة 2010، كان أبي في المستشفى يعاني سكرات الموت، وأمّي في البيت تهتمُّ بأخي الصغير المصاب بإعاقة. توجَّهتُ باكرًا قبل قدَّاس نصف الليل إلى الكنيسة، ورحتُ أصلّي أمام طفل المغارة بكلِّ حرارة، وشعرتُ فجأة بسلام داخليّ لم أشعر به من قبل. أحسستُ أنَّ الروح القدس امتلكني وأعطاني سلامًا ما زال يرافقني حتَّى الساعة، بل فرحًا سماويًّا بالرغم من كلِّ الظروف التي أمرُّ بها.

بعد القدَّاس عدتُ إلى البيت، ووجدتُ أمّي ما زالت جالسة قرب سرير أخي تحاول أن تجعله ينام. اقتربت منها وعيَّدتها بكلّ هدوء، وقبلتُ يدها وقلتُ لها: “ماما، أنا حاسس حالي الليلة ولدت من جديد، عايش بسلام داخليّ، كأنّو يسوع ولد بقلبي. ماما، عم فكّر أعمل خوري.” وها هي سنتي الثالثة وأنا كاهن بنعمة الله وما زال السلام يملأ قلبي.

يقول لنا بولس الرسول: “يسوع هو سلامنا”. ونحن نعرف ما مرَّ به القدّيس بولس من صعوبات في رحلاته التبشيريَّة، عدَّدها أكثر من مرَّة وكيف نجَّاه الله منها كلِّها. يكفي وهو مقيَّد في السجن دوَّن رسالة يدعو فيها المؤمنين أن: “افرحوا بالربّ دائمًا وأقول افرحوا”. لولا وجود السلام في داخله لما استطاع المثابرة في التبشير ونقل البشارة وعيش الفرح السماويّ.
أتى يسوع أرضنا حاملاً معه السلام، لا بل هو السلام الحقيقيّ لعالمنا، ولأرضنا. بالرغم من كلِّ ما نعيشه من حروب وبغض وتقاتل ووباء ومشاكل وكوارث طبيعيَّة وبشريَّة، طالما أنَّ المسيح في قلوبنا لن ينزع منَّا أحد السلام من داخلنا.
نُفي الأب نعمة الله الحردينيّ إلى دير بعيد جدًّا، فقيل له: ألن تثور على الرهبنة التي ترسلك إلى هذا الدير؟ فأجاب: أليس هذا الدير للرهبانيَّة، فكلُّ دير هو بيت لي وأجد فيه راحتي، لأنَّ يسوع فيه.

أعرفُ كاهنًا ترقَّى من وظيفة كنسيَّة إلى أخرى، وكلَّ مرَّة كان يقول لي: “كلّ الخوارنة بيحسدوني عالموقع اللي أنا فيه، يجوا ياخدوا عنّي، مش عارفين إنّي أنا عايش بجحيم”. وما زال هذا الكاهن يعاني بالرغم من المناصب التي يتمنَّى كلُّ كاهن أن ينالها.
بينما كنتُ أزور رجلاً فقيرًا في بيته، مقطوع الرجلين، سألته: ألست يائسًا من حياتك؟ فأجابني: أبونا، مش مهمّ يكون الإنسان غني وبصحّة منيحة وقادر يعمل اللي بدّو ياه، المهمّ يكون راضي ربُّو وضميرو. أبونا بخاف قلَّك أنا أسعد إنسان بالعالم. كلّ الجيران بيساعدوني. قبل ما يتقطَّشوا إجريّي بسبب السكّري، كنت عايش ما إترك حدا من شرّي. بس هلأّ إلي عشر سنين عايش بسلام مع الكلّ. الكلّ بيساعدني، كتار بيجوا لعندي، ناس بعرفن وناس ما بعرفن. كلّ يوم مرا من الجيران بتجبلي غدا وبيضلّ للعشا. في ممرِّض بيجي مرتين بالجمعة بيحمّمني. ما بتصوّر في ملك بالكون عم يتعامل متل ما أنا عم إتعامل. المسبحة ما بشيلا من إيدي بصلّي على نيَّة الجميع، وعايش بسلام. أوقات كتيرة بشكر الله إنّي فقدت إجريّي لأنّي لقيت ربّنا اللي عطاني السلام اللي كنت فاقدو لمّا كان عندي إجرين. لشو إجريّي إذا ما كان فيّي السلام اللي أنا عم عيشو اليوم؟

متل اليوم إجا يسوع يزورنا عا أرضنا، تا يحطّ السلام بقلبنا، لأنّو هوّي السلام. خلّونا اليوم نتعلّم نشكر يسوع عا كلّ شي بيعطينا ياه وخاصَّة نعمة السلام.

حاولت اليوم إنّي إتشبَّه بيسوع اللي تخلَّى عن مجدو بالسما وتواضع وصار متلنا تا يقلنا ما في سلام بدوني، اللي بدو يرتاح بدو يجي لعندي: تعالوا إليَّ أيُّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم.

ببساطة اليوم، حاولت ما إشرح إنجيل ميلاد يسوع، حاولت إنقل لإلكن شوي من سلام المسيح اللي عم بطلب منّو إنّو يزيدو فيِّي يوم بعد يوم، وانشالله كون قدرت.

خلونا نصلّي شي مرَّة ونقول: يا يسوع، ما بدنا هدايا ولا مال ولا صحّة ولا راحة من الهموم والتعب والمصايب، بدا ياك بس تجي تسكن بقلبنا وتجعل حياتنا مليانة منك، مليانة من سلامك. آمين.

الخوري أنطوان الدويهيّ – ايماننا

Related posts

(صدمة كبيرة أصابت دير الاحمر)… (المأساة مستمرة و ابن ال ٣٦ عاما ضحية جديدة)!

imanouna imanouna

صـ ـدمة في الوسط الفني : وفـ ـاة الملحن جان صليبا !

imanouna imanouna

خبراء أميركيون: كورونا ينتقل رسمياً في الهواء وهذه إجراءات الوقاية

imanouna imanouna
error: Content is protected !!