iManouna

دير مار أنطونيوس

دير مار أنطونيوس – سِير دير مار أنطونيوس الكبير –

سِير قابعٌ على جبلٍ عالٍ، وَمُشرِف على جبل الباروك الشامخ بأرزه، شرقًا، إمتدادًا إلى وادي الصفا ومجدل المعوش ورشميَّا وعين تراز، جنوبًا، إلى مرتفعات كفرمتَّى وسوق الغرب ورويسة النعمان، غربًا وشمالاً.

موقعه رائعٌ ومناخه لطيف. يستدلُّ من الآثار الباقية حول الدير ومِمَّا امتزجت به تربته من قطع خَزفٍ محطَّمة، على أنَّ هذا المكان كان هيكلاً ثمَّ قلعة فينيقيَّة. وهذا ما تؤكِّده لنا كلمة “سِير” التي هي من أصل فينيقيّ، وتعني “الصنم أو التمثال”.

في العهد الرومانيّ، تحوَّل إلى معقل للجند وسكنى الأمراء. ومع سقوط عهد الرومان، تُرِكَ البناء عرضةً للخراب إلى أن اشتراه، سنة 1690، القس أنطونيوس بن مبارك الرشماويّ من ابن بلدته رشميَّا، السيِّد عبدالله أبو موسى. لَم يلبث القسُّ المذكور أن باشر أعمال الترميم والإصلاح، محافظًا على الأقبية القديمة، ومشيِّدًا فوقها عددًا من القلالي لسكنى الرهبان العباد.

دخل هذا الموقع في تاريخ الرهبانيَّة، منذ أوَّل زيارةٍ قام بها المؤسِّس الأب العام عبدالله قرأعلي لبلدة رشميَّا، سنة 1706، يوم أوقف دير مار يوحنَّا المعمدان- رشميَّا للرهبانيَّة.

وفي السنة التالية 1707، أوقف أيضًا دير مار أنطونيوس- سير بموجب صكٍّ مذيَّلٍ بإثباتٍ من البطريرك يعقوب عوَّاد (1705-1733)، وانضمَّ القسُّ أنطونيوس إلى الرهبانيَّة وأبرز النذور الرهبانيَّة. لَم تَمضِ مدَّة وجيزة تسلُّم الرهبانيَّة هذا الدير، حتَّى نشب خلافٌ شديدٌ بين الرهبان وسكَّان القرى المجاورة الذين يدعمهم الخوري ابراهيم الغزيري وتلاميذه مدرسة روما المارونيَّة والحكَّام. فسكن الخوري المذكور الدير، وتخلَّت عنه الرهبانيَّة مدَّة ستٍ وعشرين سنة.

وفي سنة 1734، وبعد تمنٍّ من البطريرك يوسف ضرغام الخازن (1733-1742)، عادت الرهبانيَّة إلى الدير، فجدَّدت بناءه، ورمَّمت الكنيسة، وفتحت فيه مدرسةً لتعليم الأولاد، كما عملت على تحسين أملاكه، فحفرت سنة 1738 بئرًا للمياه. ثمَّ بوشر إعداد الدير المذكور كمدرسةٍ إكليريكيَّة تابعة للمدرسة المارونيَّة في روما. وفي أيَّار 1748، عيَّنت الرهبانيَّة دير سِير ديراً للإبتداء.

في أواخر القرن الثامن عشر، نزل فيه بشير الثاني الشهابيّ الكبير صيفاً، وسكن فيه مدَّة الصيف، وأوكل الرئيس إلى الأخ اغناطيوس بليبل أمر خدمة الأمير بشير، فقام الأخ بعمله خير قيام، وكسب ثقة الأمير وصداقته، وانعكس ذلك إيجابًا على الرهبانيَّة، يوم صار الأخ كاهنًا ورئيسًا عامًّا من سنة 1811 حتّى سنة 1832. وخلال أحداث 1840، نُهِب الدير، وأُحرق كَغَيرِه من أديار المنطقة، وكذلك في أحداث 1860. لكنَّ الرهبانيَّة تعالت فوق الجراح، واستمرَّت تؤدِّي رسالتها كاملةً في المنطقة بأسرها، شاهدةً للمحبَّة بين الأهالي، دون تمييزٍ. وفي أثناء حرب الجبل سنة 1983، هُدمت الكنيسة، وَجُرف الدير، وأزيلت كلّ معالمه، وَنُقلت حجارته، ولم يبقَ منه أثرٌ سوى دوالي الكرمة تذكِّر بماضيه.

وهو لا يزال حتَّى اليوم ينتظر دوره في ورشة البناء ليعود فيتابع رسالته التاريخيَّة العريقة، أسوةً بدير مار مارون، بير سنَين – مجدل المعوش ودير مار يوحنَّا المعمدان – رشميَّا.
الرهبانية اللبنانية المارونية

Related posts

بقي جثمانه كما هو حتّى الآن: بادري بيو ظاهرة يقف العلم حائراً أمامها بالرغم من التقدم المذهل

imanouna imanouna

تساعيّة مار جريس الشهيد (جاورجيوس ) – اليوم الثاني

imanouna imanouna

حردين قرية الحبساء

imanouna imanouna
error: Content is protected !!